مفال فی «أمل دنقل الصوت الشعری المتمیز»
أمل دنقل الصوت الشعری المتمیز
بقلم أحمد كریم بلال
الشاعر المصری الكبیر أمل دنقل، رحمه الله، صوت شعری شدید التمیز؛ لأن له اتجاه دلالی وفكری متفرد، یعبر عنه من خلال بصمة شعریة شدیدة الخصوصیة لا تجعل شخصیته الشعریة مجرد اجترار من نسخ مكررة ومتداولة.
ولد الشاعر الكبیر فی قریة (القلعة) محافظة قنا بالصعید المصری سنة1940م ، فی أسرة مثقفة یعولها والد متعلم – فی فترة یعد فیها المتعلمون على الأصابع خاصة فی صعید مصر وغیرها من القرى الریفیة – حصل على الشهادة العالمیة الأزهریة.
وكان هذا الوالد شاعرًا موهوبًا یمتلك مكتبة كبیرة أفاد منها الصبی أمل دنقل كثیرًا. وقد كان من قراءاته المبكرة: نهج البلاغة للإمام علی ، ومقامات بدیع الزمان، ودیوان الشریف الرضیّ، وأزهار الشر لبودلیر من ترجمة إبراهیم ناجی، كما قرأ للشاعر الكبیر محمود حسن إسماعیل (1) الذی حمل له إعجابًا كبیرًا یفوق الحد ، وكان إعجابه الطفولی بمحمود حسن إسماعیل یدفعه إلى قص صوره من الجرائد والمجلات والاحتفاظ بها(2). وقد كان لهذه القراءات العمیقة لفتى لم یتجاوز عمره الرابعة عشرة أثر عمیق فی تكوین شعریّة فذة فی مرحلة باكرة. ویكفی أن نتأمل هذه الأبیات التی قالها فی (عید الأم) وهو فی سن السابعة عشرة لنستدل على هذه الموهبة الشعریة الفذّة:
أریجٌ من الخلدِ ، عذبٌ عطِرْ
وصوتٌ من القلبِ فیه الظَفَرْ
وعیدٌ له یهتف الشاطــئان
وإكلیله من عیـون الزَهَرْ
وألحانــهُ من نشیدِ الخلودِ
و قیثارهُ فیهِ رقّ الـوترْ (3)
وفیما یلی هذه الأبیات تتوالى أبیات أُخَر تتوسع فی مفهوم الأمومة ، وتخرج بها عن إطار الأمومة الفعلیة إلى أمومة الوطن. وهذا التصرّف فی المعانی ، فضلاً عن القدرة على التصویر الشعری الذی یتجاوز بالدلالة حدود المُباشرة والنثریة ، إضافة إلى سلامة الوزن والقافیة (على حداثة سن الشاعر الذی لم یتم العشرین)كل ذلك یشهد بموهبة ضخمة فی طریقها إلى الظهور ، وقد كان.
رحل أمل دنقل إلى القاهرة سنة 1957م لیلتحق بكلیة الآداب جامعة عین شمس ، وبعد ثلاثة أشهر تركها لیلتحق بدار العلوم جامعة القاهرة ، وهذه الأخیرة لم یطق البقاء بها أكثر من یوم واحد فقط (4). لقد ترك أمل دنقل الدراسة تمامًا ، وعاش حیاة حرة فیها شیء من الصعلكة « وربما كان اختیاره لحیاة التشرد والصعلكة استجابة لنوازعه الداخلیة المتمردة على كل القیود» (5). وفی إطار هذه الحیاة كن دائم البحث عن المعرفة ، كثیر الاطلاع ، وكانت قراءاته بمثابة «بحث وكشف ، ولم تكن مجرد تراكم معلومات، ولكن ما تثیره هذه المعلومات، لقد كانت القراءة عملاً إبداعیًا بالنسبة له» (5). ومع تواصل الإبداع حصل شاعرنا على جائزة المجلس الأعلى لرعایة الفنون والإبداع سنة 1962م مع أنه لم یتجاوز الثانیة ولعشرین من عمره القصیر(6).
وتوالى الكفاح الشعری ، والعمل على إیجاد البصمة الخاصة والأسلوب الممیز الذی یمكننا القول بأنه قد عثر علیه بالفعل سنة 1966م ، وفی هذا العام توّج مشروعه الإبداعی باكتمال الرؤیة ووضوح الهدف ، وكما یقول الدكتور عبد العزیز المقالح : «لقد حقق فی عام واحد ما لم یحققه فی إنتاجه الشعری خلال سبع سنوات ؛ فقد أصر على كتابة الشعر اللاذع ، واختار الطریق الصعب.. طریق إشعال الحرائق فی وجدان الشعب المهزوم» (7). أصدر الشاعر دواوینه : البكاء بین یدی زرقاء الیمامة 1969م ، مقتل القمر 1972م ، العهد الآتی 1975م ، أقوال جدیدة عن حرب البسوس 1976م ، أحادیث فی غرفة مغلقة1979م (8) ، وأخیرًا أوراق الغرفة ثمانیة 1983م الذی أصدره أصدقاؤه بعد وفاته، وأغلب قصائده قد كُتبت فی الغرفة رقم 8 بمعهد السرطان التی كان نزیلها یتلقى فیها العلاج فی أخریات حیاته.
وقد كان الشاعر الراحل یعتنق فكرًا یعبر عنه فی كل أعماله ، وهو الإیمان بحریة الفرد ، ثم الإیمان بالقومیة العربیة. ومن ثم كان مناهضًا فی كل ما كتبه للسلطة التی تحول دون تحقیق هذین المبدأین؛ ومن ثم یرى أن للشاعر دوران : «دور فنی : أن یكون شاعرًا ، ودور وطنی : أن یوظف شعره لخدمة قضایا أمته ، لا عن طریق الشعارات السیاسیة؛ وإنما عن طریق كشف تراث الأمة » (9).
وقد وجد الشاعر طریقه إلى الكشف عن تراث الأمة عن طریق استدعاء الشخصیات التراثیة العربیة فی قصائده:(المتنبی، أبو نواس، عبد الرحمن بن عوف، خالد بن الولید، زرقاء الیمامة، صلاح الدین، عبد الرحمن الداخل… إلخ)وقد صنع الشاعر من هذه الشخصیات أقنعة یحاول من خلالها التعبیر عن أفكاره، أو جسورًا لإسقاطات أدبیة یربط بها بین الماضی التراثی والحاضر الراهن وفقًا لمقتضیات كل موضوع فنی وطبیعة الرؤیة الشعریة التی تقتضیه. وهو أسلوب شعری وفنی جدید لم یكن معهودًا بها الشكل فی تراثنا العربی ، أو فی النصف الأول من القرن العشرین. ولا یمكننا القول بأن أمل دنقل هو مبتدع هذا الأسلوب ، فهو سمة من سمات الحداثة الشعریة العربیة؛ لكننا نزعم أن أمل دنقل هو الأكثر استخدامًا لهذا الأسلوب الشعری حتى غدا سمة فنیة شدیدة البروز یوسم بها شعره.
ویحسب لأمل دنقل اختیاره لشخوص قصائده ورمزها من تراثنا العربی. وقد كان أول عهده یمیل إلى استخدام رموز فنیة من التراث العالمی مثل : (سبارتكوس)محرر العبید ، أو من التراث الفرعونی مثل : (أخناتون ورمسیس وغیرهما ). لكنه تعرض لموقف جعله یتجه بشدة صوب هذا التراث العربی الصمیم ؛ فقد عرض على الكاتب الكبیر لویس عوض قصیدة : (الوقوف على قدم واحدة)التی وظّف فیها قصة الأخوین باتا الفرعونیة. وكان الدكتور لویس من كبار الدعاة إلى الفرعونیة ، ومع ذلك لم یفهم الدكتور لویس المعنى المقصود ، بل لم یفطن أساسًا إلى هذه القصة الفرعونیة التی استخدمت خلفیة إلا بعد أن استفسر من الشاعر عنها (10)!! لقد تیقن شاعرنا – إذاك – أن التراث الفرعونی لا یحیا فی وجدان الناس، وأن انتماء المصری الحقیقی هو انتماء عروبی إسلامی، وأن البطل الشعبی الحقیقی هو الحین وخالد بن الولید لا أحمس وأوزوریس (11). ومن ثمّ واصل إبداعه فی هذه الوجهة التی تتیح له تواصلاً كبیرًا مع جمهوره.
وبعد رحلة إبداعیة قوامها نیف وعشرون عامًا توفی الشاعر الكبیر فی مایو 1983م ، تاركًا تراثًا أدبیًا صغیرًا إذا نظرنا إلیه بمعیار كمیّ؛ لكنه تراث ضخم ومهول إذا نظرنا إلیه بمعیار الجودة والإتقان. وبوسعنا أن نقول – دون أی مبالغة – أن هذه الدواوین الخمسة التی تركها أمل دنقل قد حققت له قدرًا كبیرًا من الشهرة والذیوع، ووضعته فی مكانة فنیة وأدبیة فی غایة الرقی، مكانة وشهرة لم یصل إلیها بعض الشعراء الذین أبدعوا عشرات الدواوین دون أن یحققوا لأنفسهم صوتًا ممیزًا واتجاهًا أدبیًا وفكریًا متفرد.
الهوامش والتعلیقات
1. راجع: من أوراق الطفولة والصبا، د.سلام داود، مقال منشورة بمجلة إبداع (تصدر عن الهیئة العامة للكتاب بمصر)عدد أكتوبر 1983م ، ص : 8
2. راجع : الجنوبی سیرة أمل دنقل ، عبلة الروینی، [دار سعاد الصباح ، الكویت، الطبعة الأولى 1992م] ص: 96
3. نشرت هذه القصیدة بمجلة قنا الثانویة سنة 1957م ، وقد نقلنا هذه الأبیات عن مقالة : من أوراق الصبا ، د. سلام داود التی سبقت الإشارة إلیها.
4. هذه المعلومات مأخوذة عن حوار صحفی أجرته : اعتماد عبد العزیز مع الشاعر قبیل وفاته ، وقد نشر هذا الحوار فی عدد أكتوبر 1983م من مجلة إبداع الذی سبق أن أشرنا إلیه ، راجع ص: 115.
5. الجنوبی… ، عبلة الروینی ، ص: 72
6. راجع حوار الشاعر مع اعتماد عبد العزیز المنشور بمجلة إبداع العدد الذی سبقت الإشارة إلیه ، ص: 115
7. أمل دنقـل وأنشودة البسـاطة ، د. عبد العزیز المقالح ، مقالة نشرت فی مجلة : إبداع (العدد سابق الذكر)ص : 24. وقد جُعلت هذه المقالة مقدمة لبعض الطبعات من أعماله الكاملة.
8. دیوان : أحادیث فی غرفة مغلقة غیر موجود فی جمیع طبعات الأعمال الكاملة التی وقعت بین یدی.
9. قضایا الشعر المعاصر ، جهاد فاضل [ دار الشروق ، عمَّان ، الطبعة الأولى 1984م ] ص: 358 ، وهذا الفصل المتعلق بأمل دنقل فی كتاب جهاد فاضل هو فی الأصل حوار صحفی أجراه مع الشاعر نُشر فی مجلة الحوادث سنة1982م
10. حول هذه الحادثة راجع كتاب : الجنوبی.. لعلبة الروینی ص : 72 ، وأیضًا كتاب : ذاكرة للشعر ، د : جابر عصفور [ الهیئة المصریة العامة للكتاب (القاهرة ، مصر) 2002م ] ص : 391 و 392.
11. الجنوبی… ، عبلة الروینی ، ص: 72
+ نوشته شده در سه شنبه نوزدهم مهر ۱۳۹۰ ساعت 6:11 توسط محسن شبستانی
|